الشيخ الطبرسي

83

تفسير مجمع البيان

* ( فإما نذهبن بك فإنا منهم منتقمون [ 41 ] * أو نرينك الذي وعدناهم فإنا عليهم مقتدرون [ 42 ] * فاستمسك بالذي أوحي إليك إنك على صراط مستقيم [ 43 ] * وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسئلون [ 44 ] * وسئل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون [ 45 ] * . الاعراب : لما دخل ما على حرف الشرط ، أشبه القسم في التأكيد ، والإيذان بطلب التصديق ، فدخلت النون في الكلام لذلك ، لأن النون يلزم في جواب القسم ، ولا يلزم في الجزاء ، لأنه مشبه به . المعنى : ثم خاطب سبحانه نبيه صلى الله عليه وآله وسلم فقال : ( فإما نذهبن بك فإنا منهم منتقمون ) أي . فإما نتوفينك فإنا منهم منتقمون من أمتك بعدك . ( أو نريك الذي وعدناهم ) معناه : أو نبقينك ونرينك في حياتك ما وعدناهم من العذاب ( فإنا عليهم مقتدرون ) أي قادرون على الانتقام منهم ، وعقوبتهم في حياتك ، وبعد وفاتك . قال الحسن وقتادة : إن الله أكرم نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بأن لم يره تلك النقمة ، ولم ير في أمته إلا ما قرت به عينه ، وقد كان بعده نقمة شديدة . وقد روي أنه صلى الله عليه وآله وسلم أري ما تلقى أمته بعده ، فما زال منقبضا ، ولم ينبسط ضاحكا ، حتى لقي الله تعالى . وروى جابر بن عبد الله الأنصاري قال : إني لأدناهم من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في حجة الوداع بمنى ، حتى قال : ( لا ألفينكم ترجعون بعدي كفارا ، يضرب بعضكم رقاب بعض ، وأيم الله لئن فعلتموها لتعرفنني في الكتيبة التي تضاربكم ) . ثم التفت إلى خلفه فقال : ( أو علي ، أو علي ) ، ثلاث مرات فرأينا أن جبرائيل غمزه . فأنزل الله على أثر ذلك : ( فإما نذهبن بك فإنا منهم منتقمون ) بعلي بن أبي طالب عليه السلام . وقيل : إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أري الانتقام منهم ، وهو ما كان من نقمة الله من المشركين يوم بدر ، بعد أن أخرجوه من مكة ، فقد أسر منهم وقتل ، مع قلة أصحابه ، وضعف منتهم ( 1 ) ، وكثرة الكفار ، وشدة شوكتهم . ثم أمره سبحانه بالتمسك بالقرآن فقال : ( فاستمسك بالذي أوحي إليك ) من

--> ( 1 ) المنة بالضم : القوة ، وبمعنى الضعف أيضا ، فهي من الأضداد .